ابن الجوزي

272

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

كنت أعالج البز في الجاهلية ، وكنت رجلا تاجرا أخرج إلى اليمن وإلى الشام في الرحلتين ، وكنت أربح أرباحا كثيرة فأعود على فقراء قومي ونحن لا نعبد شيئا نريد بذلك ثراء الأموال والمحبة في العشيرة ، وكنت أحضر للأسواق ، وكان لنا ثلاثة أسواق : 110 / ب سوق بعكاظ يقوم صبح هلال ذي / القعدة ، فيقوم عشرين يوما ويحضرها العرب ، وبها ابتعت زيد بن حارثة لعمتي خديجة بنت خويلد وهو يومئذ غلام ، فأخذته بستمائة درهم ، فلما تزوج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خديجة سألها زيدا ، فوهبته له فأعتقه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم . وبها ابتعت حلة ذي يزن ، كسوتها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فما رأيت أحدا قط أجمل ولا أحسن من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في تلك الحلة . قال : ويقال : [ 1 ] إن حكيم بن حزام قدم بالحلة في هدنة الحديبيّة وهو يريد الشام في عير ، فأرسل بالحلة إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فأبى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يقبلها ، وقال : « لا أقبل هدية مشرك » ، قال حكيم : فجزعت جزعا شديدا حيث رد هديتي ، وبعتها بسوق النبط من أول سائم سامني ، ودس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إليها زيد بن حارثة فاشتراها ، فرأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يلبسها بعد . وكان سوق مجنّة تقوم عشرة أيام حتى إذا رأينا هلال ذي الحجة انصرفنا وانتهينا إلى سوق ذي المجاز تقام ثمانية أيام . وكل هذه الأسواق ألقى بها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في المواسم يستعرض القبائل قبيلة قبيلة يدعوهم إلى الله تعالى ، فلا أرى أحدا يستجيب ، وقريش أشد القبائل عليه حتى بعث ربه عز وجل قوما أراد بهم كرامة هذا الحيّ من الأنصار فبايعوه وآمنوا به وبذلوا له أنفسهم وأموالهم ، فجعل الله له دار هجرة . فلما حج معاوية سامني بداري بمكة فبعتها منه بأربعين ألف دينار ، فبلغني أن ابن الزبير يقول : ما يدري هذا الشيخ ما يبيع ليردن عليه بيعه . فقلت : والله ما ابتعتها إلا بزق من خمر . وكان حكيم يشتري الظهر والأداة والزاد ثم لا يجيئه أحد يستحمله في السبيل إلا حمله .

--> [ 1 ] جمهرة نسب قريش 1 / 368 .